ابن كثير
540
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به ، فيكون أفضل من هذه الحيثية . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة » والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية ، ولما ثبت في الصحيحين « 1 » عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سبعة يظلهم اللّه في ظله ، يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة اللّه ، ورجلان تحابا في اللّه ، اجتمعا عليه وتفرقا عليه ، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه ، ورجل ذكر اللّه خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : إني أخاف اللّه رب العالمين ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن سليمان بن أبي سليمان ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : قال « لما خلق اللّه الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عليها ، فاستقرت ، فتعجبت الملائكة من خلق اللّه الجبال فقالت : يا رب هل في خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قال نعم الحديد . قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد ؟ قال : نعم النار ، قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قال : نعم الماء . قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قال : نعم الريح ؟ قالت : يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قال : نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله » . وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذر ، قال : قلت يا رسول اللّه ، أي الصدقة أفضل ؟ قال « سر إلى فقير أو جهد من مقل » رواه أحمد « 3 » ورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد عن القاسم ، عن أبي أمامة ، عن أبي ذر ، فذكره وزاد : ثم نزع « 4 » بهذه الآية إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ الآية . وفي الحديث المروي « صدقة السر تطفئ غضب الرب عز وجل » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب ، أخبرنا موسى بن عمير عن عامر الشعبي في قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قال : أنزلت في أبي بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما ، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر ؟ » قال :
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( أذان باب 36 ) وصحيح مسلم ( زكاة حديث 91 ) ( 2 ) المسند ( ج 3 ص 124 ) ( 3 ) المسند ( ج 5 ص 178 ) ( 4 ) أي تمثل بهذه الآية .